التنمية .. وميراثنا الثقافي


11 تشرين أول 2008 ، مسعود


لا شك بأننا جميعاً متفقون على أن مجتمعاتنا تعاني تخلفاً حضارياً يتعاظم يوماً بعد يوم ، ولا شك بأننا جميعاً متفقون على ضرورة العملية التنموية في كل مناحي حياتنا ، لكننا وبكل تأكيد مختلفون في نظرتنا وقناعاتنا حول الطرق الصحيحة لممارسة التنمية.

ما أود الوقوف عنده هو إصرار البعض على أن المواريث الثقافية لمجتمعاتنا الشرقية والعربية هو عائق في وجه التنمية وأن هذه الأخيرة لن تتحقق قبل أن نقوم بنسف معتقداتنا الموروثة بالجملة ، واستبدالها بمعتقدات وأفكار وثقافة الدول التي تجاوزت مرحلة التنمية ووصلت إلى مراحل التقدم الحضاري ..

قد يكون الإسلام – وهو دين معظم سكان الوطن العربي – مثالاً واضحاً عن الميراث الثقافي في بلادنا ، والذي يعتبره البعض مسؤولاً عن كل تخلفنا ، فالكثير من منتقدي (جرائم الشرف) والمناضلين في سبيل حقوق المرأة وغيرها من مظاهر التخلف يُرجعون أسباب هذه المآسي إلى الإسلام ، ويتفاوت هؤلاء في الجهر بادعاءاتهم ، فمنهم من يلمح تلميحاً ومنهم من يصرح تصريحاً !!

ويبدو أن مصيبتنا مع هؤلاء أنهم لا يعلمون .. ومصيبتنا الأكبر أن منهم من يعلم بأنه لا بد من الفصل بين الإسلام وبين تصرفات بعض المسلمين ،والتي لا تمت بصلة إلى تعاليم الدين الحنيف ، فالإسلام لا يبيح الجرائم وقتل النفوس بداعي حفظ الشرف ، ولا بأي داعٍ آخر غير الدفاع عن النفس ورد البغي والعدوان ( ضمن ضوابط وأحكام صارمة ).. كما أنه لا يفرق بين الرجل والمرأة بالنسبة لموضوع الشرف ..

والإسلام يحفظ حقوق المرأة ويصونها ويعلي شأنها ، ويرفعها عن ما يريده بعض دعاة ( تحرير ) المرأة الحاليين من إذلال وإسفاف للمرأة واستباحة لجسدها بداعي ( التحرر ) ..

ومما يثير العجب أن هؤلاء المتأثرين بفكرة أن تطور الغرب لم يحدث إلا بعد تخلصهم من الأديان والعقائد ،ينسون أن الحقبة التي حافظت فيها منطقتنا على الحضارة الإنسانية وأثرتها وتفاعلت معها كانت فترة يزدهر فيها تطبيق الإسلام وتعاليمه ..

كما أنهم ينسون أن أكثر الدول (تحضراً) تمنح الحرية لممارسة الأديان ، وينسون أن أكثر الدول قوة في منطقتنا (إسرائيل مثلاً) هي دول دينية ، وأن طياري اليابان وجيوشها التي حاربت العالم كانوا من المتمسكين بدينهم وعقيدتهم ، وأن هذا الشعب لا يزال يتمسك بميراثه الثقافي والديني حتى الآن ..

ولا داعي للتطرق إلى المحافظين الجدد في أمريكا ورؤيتهم التوراتية للعالم ، ولا بتمسك فرنسا( الحرية والعدالة والمساواة ) بالرفض الشديد لانضمام تركيا( رغم علمانيتها) للاتحاد الأوروبي وتحميل شعبها مسؤولية مذابح حصلت (وربما لم تحصل ) في أزمنة غابرة .. ولا إلى عشرات ومئات الأمثلة الأخرى ، والتي يغفل عنها (المبشرون الحضاريون الجدد) في بلادنا ..ولا داعي كذلك أن نتذكر المآسي التي خلّفتها وتخلفها أنظمة إنكار الأديان في تاريخها القصير المثقل بالمذابح والفظائع ..

صحيح أننا متخلفون ، لكن الأديان السماوية ليست أبداً مسبباً للتخلف ، على العكس ، فلربما كانت نظرتنا المتخلفة وتطبيقنا المتخلف لهذه الأديان من أهم أسباب تخلفنا الحضاري الحالي ..

ومن الأفضل للبعض من مثقفينا ( وأشباه مثقفينا ) أن يضعوا نظريات التنمية من واقعنا بدل استيراد نظريات وأفكار الآخرين ، وعليهم مراعاة خصوصية مواريثنا الثقافية بدلاً من محاولة نسفها ،وعليهم أن يبحثوا في الأسباب الحقيقية للتخلف ، وفي الحلول المنطقية للتنمية بدل هدر الوقت في تبني أهداف الطامعين فينا والمتسببين في معظم مشاكلنا من الشرق والغرب !!

2 تعليقات على: “التنمية .. وميراثنا الثقافي”

  1. ابو علاء :

    العزيز ابو خالد:
    لقد أوقعتني في حيرة بين أنين واقع نعيشه وصرير قلمك الثائر..!! ولكن الأمر الذي أثق به ,أنه لا ضير على مجتمعنا وموروثنا الثقافي ما دام هناك أناس أمثالك تتملكهم الغيرة على ارث حضاري ومنهج و تشريع سماوي.
    تحياتي لا تهمك كثيرا .. بارك الله فيك وبورك قلمك الثائر.

    (( طولت الغيبة …))

  2. د.الداعية :

    أعجبتني محتويات مدونتك لانها تحمل تقريبا نفس محتوى مدونتي
    التطوير والتغيير ليس معناه استجداء أفكار معلبة مدة صلاحيتها لاتتعدى سنوات وربما تصيبنا بتسمم فكري يدخلنا في العناية المركزة ونحن بصراحة مو ناقصين
    جزيت خيرا على الطرح الأكثر من رائع

اكتب تعليقك هنا..